تشهد الساحة العالمية تحولاً جذرياً في أبحاث الاندماج النووي، حيث نجحت شركة "أوبن ستار" (OpenStar) النيوزيلندية في تحقيق إنجاز تقني غير مسبوق بتشغيل أول مفاعل تجريبي يعتمد على تقنية "ثنائي القطب المعلق". يمثل هذا الابتكار خروجاً عن المألوف في هندسة المفاعلات، حيث يعتمد على فكرة ثورية تتلخص في تعليق مغناطيس حلقي فائق التوصيل يزن نصف طن في فراغ تام داخل غرفة مخصصة، مما يمهد الطريق لإنتاج الطاقة النظيفة بطرق أكثر كفاءة واستدامة.
- ✅ نجاح تشغيل مفاعل "جونيور" بنظام المغناطيس المعلق المبتكر لمحاكاة الطبيعة.
- ✅ تحقيق استقرار كامل للبلازما عند درجة حرارة مليون درجة مئوية لمدة 20 ثانية.
- ✅ تصميم هندسي يقلص حجم المفاعلات ويخفض تكاليف بناء المحطات التجارية المستقبلي.
- ✅ إثبات جدوى تقنية "ثنائي القطب" كبديل واعد لمفاعلات التوكاماك التقليدية الضخمة.
هندسة مبتكرة: كيف يعمل مفاعل ثنائي القطب المعلق؟
يعتمد المفاعل على آلية مذهلة يتم فيها تعليق مغناطيس حلقي ضخم وسط غرفة تفريغ يبلغ قطرها 5 أمتار، وذلك باستخدام مغناطيس تحكم علوي يمنع التلامس المادي تماماً. هذا المغناطيس المعلق يولد مجالاً مغناطيسياً قوياً يحصر البلازما المسخنة حوله في الفراغ، وهو ما يمنعها من ملامسة جدران المفاعل. هذا الإجراء ضروري جداً لأن أي تلامس قد يؤدي إلى تبريد البلازما فوراً أو تلوثها، مما يوقف تفاعل الاندماج.
ما يميز هذا النهج هو كونه معاكساً تماماً لمفاعلات "التوكاماك" التقليدية التي تستخدم ملفات مغناطيسية خارجية ضخمة للإحاطة بالبلازما. في تصميم "أوبن ستار"، يوضع المصدر المغناطيسي في قلب البلازما نفسها، وهي استراتيجية مستوحاة من المجالات المغناطيسية الكوكبية التي تحتجز الجسيمات المشحونة حول كواكب مثل المشتري، مما يجعلها محاكاة أرضية لظواهر كونية عملاقة.
نتائج مذهلة من النموذج الأولي "جونيور"
أثبت النموذج الأولي، الذي أطلق عليه اسم "جونيور" وبلغت تكلفته حوالي 10 ملايين دولار، كفاءة عالية خلال الاختبارات العملية. تم حقن الغاز وتسخينه باستخدام طاقة الميكروويف المكثفة، مما حوله إلى بلازما متوهجة وصلت درجة حرارتها إلى مليون درجة مئوية. المثير للإعجاب هو قدرة النظام على الحفاظ على استقرار هذه البلازما وحصرها بنجاح تام لمدة وصلت إلى 20 ثانية، وهو وقت كافٍ لإثبات استقرار المجال المغناطيسي المعلق.
وعلى الرغم من أن هذا النموذج لا ينتج حالياً طاقة صافية تفوق ما يستهلكه، إلا أن الهدف الأساسي كان إثبات الجدوى الهندسية والفيزيائية للتصميم. إن نجاح المغناطيس في العمل باستقلالية تامة وسط هذه الظروف القاسية يعد ركيزة أساسية لتطوير التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، والانتقال إلى بناء مفاعلات أكبر وأكثر قوة.
مستقبل الطاقة: مفاعلات أصغر وتكاليف أقل
إن القدرة على توسيع نطاق تقنية ثنائي القطب المعلق تفتح الباب أمام بناء محطات اندماج نووي تجارية تتسم بصغر الحجم مقارنة بالتصاميم التقليدية الضخمة والمكلفة. هذه الأنظمة المدمجة ستسهم بشكل مباشر في خفض الأعباء المالية المرتبطة بالإنشاء والصيانة، مما يجعل حلم توفير طاقة نظيفة وغير محدودة أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.
ما الفرق الجوهري بين مفاعل أوبن ستار ومفاعلات التوكاماك؟
الفرق يكمن في مكان وجود المغناطيس؛ فبينما تعتمد مفاعلات التوكاماك على مغناطيسات خارجية ضخمة تحيط بالبلازما، يضع مفاعل أوبن ستار مغناطيساً واحداً فائق التوصيل في قلب سحابة البلازما، مما يجعله يحاكي الجاذبية والمجالات المغناطيسية الطبيعية للكواكب.
هل نجح المفاعل في توليد طاقة كهربائية حتى الآن؟
حالياً، النموذج الأولي "جونيور" مخصص لإثبات استقرار التصميم وحصر البلازما، وهو لا يولد طاقة ناتجة أكبر من الطاقة المستهلكة، لكنه نجح في تأكيد أن هذا التصميم الهندسي قابل للتحقيق والنمو مستقبلاً.
لماذا يتم تعليق المغناطيس في الفراغ بدلاً من تثبيته؟
يتم تعليقه لمنع أي تلامس مادي مع جدران الغرفة أو الركائز، لأن البلازما شديدة الحرارة ستفقد طاقتها وتبرد فوراً إذا لمست أي جسم صلب، كما أن التعليق يضمن نقاء التفاعل واستمراريته.
ما هي درجة الحرارة التي وصلت إليها البلازما في الاختبار؟
وصلت درجة حرارة البلازما في مفاعل "جونيور" إلى حوالي مليون درجة مئوية، وتم الحفاظ على هذا المستوى من الحرارة مع استقرار الحصر المغناطيسي لمدة 20 ثانية كاملة.
🔎 في الختام، يمثل نجاح شركة "أوبن ستار" في تشغيل مفاعل ثنائي القطب المعلق خطوة شجاعة نحو إعادة ابتكار الطريقة التي نسعى بها لترويض طاقة النجوم على الأرض. إن هذا التصميم الجريء لا يبرهن فقط على الإبداع الهندسي، بل يمنحنا أملاً حقيقياً في الوصول إلى مستقبل يعتمد على طاقة اندماجية آمنة، رخيصة، وصغيرة الحجم، لتكون المحرك الأساسي للحضارة الإنسانية في العقود القادمة.
قم بالتعليق على الموضوع