تمكن فريق دولي من الباحثين من تحقيق اختراق طبي مذهل يمثل أحد أعظم الأهداف في الطب الحديث، وهو تطوير بنكرياس اصطناعي قابل للزرع يعمل بشكل مستقل تماماً داخل جسم الإنسان. هذا الابتكار لا يعد مجرد أداة طبية، بل هو نظام بيولوجي متكامل يهدف إلى محاكاة وظائف العضو البشري بدقة متناهية، مما يمنح أملاً جديداً لملايين المصابين حول العالم.
- ✅ تقنية "الدواء الحي" تسمح للجهاز بالنمو والرصد والاستجابة للتغيرات الكيميائية تلقائياً.
- ✅ تصميم "الدرع البلوري" المبتكر يمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا المزروعة.
- ✅ نجاح التجارب على الكائنات الحية يمهد الطريق لعلاج السكري وأمراض أخرى مثل الهيموفيليا.
آلية عمل البنكرياس الحي وتأثيره على علاج مرض السكري
هذا البنكرياس الاصطناعي، الذي تم تطويره بواسطة مهندسين في معهد "التخنيون" الإسرائيلي للتكنولوجيا بالتعاون مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجامعات أمريكية مرموقة، قد يحرر مرضى السكري نهائياً من قيود حقن الأنسولين اليومية أو استخدام مضخات الأنسولين الخارجية المزعجة.
ويوضح البروفيسور شادي فرح، قائد المشروع في كلية الهندسة الكيميائية، أن هذه الزرعة تعمل بمبدأ "الدواء الحي". فهي عبارة عن نظام بيولوجي متطور قادر على النمو ومراقبة التغيرات الكيميائية في الدم بشكل لحظي، والاستجابة لها فوراً، تماماً كما يفعل البنكرياس الطبيعي السليم في جسم الإنسان.
تكنولوجيا الدرع البلوري: الحل العبقري لمشكلة رفض الجسم
يتميز الجهاز بحجمه الصغير واحتوائه على خلايا حية منتجة لهرمون الأنسولين. تكمن العبقرية في تغليف هذه الخلايا داخل بنية بلورية واقية، صُممت بدقة لتحقيق توازن حرج: السماح بمرور الأكسجين والمغذيات الضرورية للخلايا لتبقى حية، وفي الوقت نفسه إخفاء هذه الخلايا عن رادار الجهاز المناعي لمنع الجسم من مهاجمتها أو رفضها.
بفضل هذا التصميم الفريد، تستطيع الزرعة قياس مستويات الجلوكوز في الدم بشكل مستمر، وإطلاق الجرعة الدقيقة المطلوبة من الأنسولين دون أي تدخل بشري أو الحاجة إلى أجهزة استشعار خارجية. وقد نجح فريق البحث في تجاوز عقبة "رفض الجسم" التي أفشلت محاولات سابقة، حيث طوروا ما يسمى "الدرع البلوري"، وهو شبكة من البلورات العلاجية التي تحمي الخلايا مع الحفاظ على اتصالها البيئي الحيوي.
نتائج واعدة وآفاق مستقبلية تتجاوز السكري
أثبتت التجارب المخبرية على الفئران المصابة بالسكري استقراراً ملحوظاً في مستويات الجلوكوز لفترات طويلة. كما أكدت التجارب المتقدمة على الرئيسيات أن الخلايا حافظت على حيويتها وكفاءتها في إنتاج الأنسولين، مما يعزز الثقة في قرب تطبيق هذه التقنية على البشر.
ولا يتوقف طموح الباحثين عند علاج السكري فحسب؛ بل يعتقدون أن هذه التكنولوجيا القابلة للتكيف يمكن استخدامها لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض. على سبيل المثال، يمكن تعديل الجهاز لإطلاق عوامل التخثر لمرضى الهيموفيليا (نزف الدم)، أو إنتاج إنزيمات معينة لعلاج الاضطرابات الأيضية المعقدة.
ما الذي يميز هذا البنكرياس الاصطناعي عن المضخات التقليدية؟
يختلف هذا الابتكار جذرياً بكونه نظاماً "حياً" يُزرع داخل الجسم ولا يتطلب أجهزة تحكم خارجية أو استبدالاً مستمراً للأنسولين، حيث تقوم الخلايا الحية داخل الجهاز بإنتاج الأنسولين ذاتياً بناءً على حاجة الجسم الفعلية.
هل يمثل هذا الجهاز حلاً نهائياً لمشكلة رفض المناعة؟
نعم، بفضل تقنية "الدرع البلوري"، يتم حماية الخلايا المزروعة من هجمات الجهاز المناعي التي كانت تتسبب سابقاً في فشل الزرعات خلال أسابيع قليلة، مما يضمن استمرارية عمل الجهاز لسنوات.
متى يتوقع توفر هذا العلاج للمرضى بشكل تجاري؟
بعد نجاح التجارب على الحيوانات والرئيسيات، ينتقل المشروع الآن نحو مراحل التجارب السريرية على البشر، وهي الخطوة النهائية قبل الحصول على الموافقات الطبية العالمية وطرحه كعلاج متاح.
هل يمكن استخدام هذه التقنية لعلاج أمراض أخرى غير السكري؟
بالتأكيد، يخطط العلماء لتكييف هذه الزرعات الحية لعلاج حالات طبية مزمنة أخرى، مثل نقص الإنزيمات الوراثي واضطرابات تجلط الدم، مما يجعلها منصة علاجية شاملة.
🔎 في الختام، يمثل ابتكار البنكرياس الاصطناعي "الحي" قفزة نوعية في تكنولوجيا الطب الحيوي، حيث يدمج بين الهندسة الكيميائية وعلم الأحياء لتقديم حلول جذرية للأمراض المزمنة. إن نجاح هذا المشروع لن يغير حياة ملايين المصابين بالسكري فحسب، بل سيفتح آفاقاً جديدة لكيفية تعامل الطب مع استبدال وظائف الأعضاء التالفة بطريقة ذكية وذاتية التشغيل، مما يجعل المستقبل الخالي من الحقن والأدوية التقليدية قريباً أكثر من أي وقت مضى.
قم بالتعليق على الموضوع