شهدت الساحة التقنية العالمية تحولاً جذرياً مع دخول أول مركز بيانات صيني مغمور تحت الماء مرحلة التشغيل التجاري الكامل. هذا المشروع الفريد، الذي يقع قبالة سواحل منطقة لينغانغ الخاصة في شنغهاي، لا يمثل مجرد إنجاز هندسي، بل يعد نموذجاً مستقبلياً لكيفية دمج مراكز البيانات مع مصادر الطاقة المتجددة لتعزيز الاستدامة الرقمية.
ملخص المشروع وأبرز مميزاته
- ✅ أول مركز بيانات تجاري في العالم يدمج بين تقنيات الحوسبة المغمورة وطاقة الرياح البحرية.
- ✅ يوفر أكثر من 22% من استهلاك الكهرباء ويعتمد كلياً على التبريد الطبيعي بمياه البحر.
- ✅ يقلص الحاجة إلى الأراضي والمساحات البرية بنسبة تصل إلى 90%.
- ✅ يضم بنية تحتية متطورة تشمل 2000 خادم تعمل تحت ضغط مائي عالٍ.
التعاون الاستراتيجي والجدول الزمني للمشروع
باستثمارات ضخمة بلغت قيمتها 226 مليون دولار، انطلق هذا المشروع الطموح رسمياً في يونيو 2025. جاء ذلك ثمرة اتفاقية تعاون استراتيجية ضمت اللجنة الإدارية لمنطقة لينغانغ الخاصة، ومجموعة شنغهاي لينغانغ القابضة للاستثمار، بالإضافة إلى شركة هاي كلاود تكنولوجي (HiCloud Technology). وبعد وتيرة عمل متسارعة، اكتملت أعمال البناء في أكتوبر 2025، لتبدأ العمليات التشغيلية واسعة النطاق الأسبوع الماضي عقب سلسلة من التجارب الأولية الناجحة.
الابتكار في التبريد: مياه البحر كبديل للطاقة
يقع المركز في موقع استراتيجي بين المرحلتين الأولى والثانية من مزرعة الرياح البحرية في لينغانغ. وتعتمد المنشأة على وحدات بحرية متطورة مقاومة للضغط، تضم حوالي 2000 خادم تحت الماء، متصلة مباشرة بتوربينات الرياح لاستمداد الطاقة النظيفة. وقد تطور المشروع من مرحلة تجريبية بقدرة 2.3 ميجاوات ليصل حالياً إلى سعة إجمالية تبلغ 24 ميجاوات.
يكمن السر في كفاءة هذا المركز في نظام التبريد السلبي المبتكر؛ فبدلاً من المكيفات الصناعية المستهلكة للطاقة، يتم استخدام مياه البحر المحيطة. تعمل مكيفات اللوحة الخلفية على سحب الحرارة من الخوادم، مما يؤدي لتبخير سائل التبريد داخل أنابيب نحاسية. وبفعل الطفو، يصعد الغاز إلى مبادل حراري علوي يبرد بواسطة مياه البحر، ليعود السائل مجدداً إلى الأسفل بفعل الجاذبية، مما يخلق دورة تبريد ذاتية لا تستهلك أي طاقة إضافية.
المكاسب البيئية والتحديات التشغيلية
تؤكد التقارير التقنية أن هذا التصميم المبتكر يقلل من استهلاك الكهرباء بنسبة 22.8%، كما يلغي الحاجة تماماً لاستخدام المياه العذبة للتبريد، ويوفر أكثر من 90% من مساحات الأراضي المطلوبة للمراكز التقليدية. ومع ذلك، لا يخلو الأمر من تحديات؛ حيث إن البيئة الملحية تزيد من مخاطر تآكل المعادن، كما أن عمليات الصيانة تحت الماء تتسم بالتعقيد والتكلفة العالية، فضلاً عن الحساسية للاهتزازات البحرية.
من الجدير بالذكر أن شركة مايكروسوفت كانت قد خاضت تجربة مماثلة عبر "مشروع ناتيك" قبالة سواحل كاليفورنيا واسكتلندا، إلا أنها أوقفت المشروع لاحقاً دون إبداء أسباب واضحة. وفي المقابل، يبدو أن الصين قد حسمت أمرها بالانتقال بهذه التكنولوجيا من حيز التجارب المختبرية إلى التكنولوجيا المستدامة المطبقة تجارياً على أرض الواقع.
كيف يساهم هذا المركز في حماية البيئة؟
يسهم المركز في حماية البيئة من خلال تقليل الاعتماد على المياه العذبة المستخدمة عادة في تبريد مراكز البيانات التقليدية، بالإضافة إلى استخدامه المباشر لطاقة الرياح النظيفة، مما يقلل من البصمة الكربونية بشكل كبير.
ما هي التقنية المستخدمة في تبريد الخوادم؟
يعتمد المركز على نظام تبريد سلبي يستخدم مياه البحر المحيطة لتبادل الحرارة. يتم تحويل سائل التبريد إلى غاز بفعل حرارة الخوادم، ثم يتم تبريده بواسطة مياه البحر ليعود سائلاً مرة أخرى بفعل الجاذبية دون الحاجة لمضخات طاقة.
لماذا توقفت شركات مثل مايكروسوفت عن مشاريع مماثلة؟
رغم نجاح التجارب الأولية، واجهت المشاريع السابقة تحديات تتعلق بصعوبة الصيانة وتكاليف استرجاع الوحدات من قاع البحر، بالإضافة إلى مخاوف التآكل الملح، وهي تحديات تحاول الصين تجاوزها في مشروعها الحالي.
ما مقدار التوفير في المساحة الذي يحققه هذا المشروع؟
يحقق المشروع توفيراً هائلاً في المساحة، حيث يقلل من متطلبات استخدام الأراضي بنسبة تزيد عن 90% مقارنة بالمراكز التي تُبنى على اليابسة، مما يجعله حلاً مثالياً للمدن الساحلية المزدحمة مثل شنغهاي.
🔎 في الختام، يمثل مركز البيانات المغمور في شنغهاي علامة فارقة في دمج البنية التحتية الرقمية مع البيئة الطبيعية. وبينما تراقب شركات التكنولوجيا العالمية هذه التجربة الصينية باهتمام، يبقى السؤال حول مدى قدرة هذه التقنية على الصمود أمام تحديات البيئة البحرية القاسية على المدى الطويل، وهل سنشهد قريباً مدناً من مراكز البيانات القابعة في أعماق المحيطات لتشغيل عالمنا الرقمي المتسارع.
قم بالتعليق على الموضوع