لطالما كان الوعد الأبرز لثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي هو تحرير البشر من عناء العمل الطويل، ومنحنا رفاهية الوقت دون المساس بمعدلات الإنتاجية. ومع تصاعد التوقعات حول اعتماد "أسبوع العمل المكون من أربعة أيام"، بدأ الكثيرون يحلمون بعصر يسود فيه الفراغ الإبداعي، إلا أن الواقع يبدو مختلفاً تماماً من وجهة نظر أحد أبرز قادة هذا المجال.
- ✅ سام ألتمان يرى أن الطبيعة البشرية هي العائق الأساسي أمام تقليل ساعات العمل.
- ✅ زيادة الإنتاجية بفضل التكنولوجيا تؤدي دائماً إلى ظهور أهداف ومشاريع جديدة تملأ الفراغ.
- ✅ التناقض بين تجارب الدول في "أسبوع العمل الأقصر" وفلسفة شركة OpenAI حول الانشغال الدائم.
- ✅ البشر يسعون دائماً للتطور والمقارنة الاجتماعية، مما يرفع سقف التوقعات باستمرار.
التكنولوجيا والوعد المكسور بتقليل ساعات العمل
وفقاً لسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة **OpenAI**، فإن التوقعات التي تشير إلى تقليص ساعات العمل بفضل التقنيات الحديثة قد لا تتحقق أبداً. وفي مقابلة حديثة عبر بودكاست "Relentless"، أوضح ألتمان أن المشكلة لا تتعلق بقصور في التكنولوجيا ذاتها، بل تكمن في الجوهر النفسي للإنسان وكيفية تطور طموحاته مع كل قفزة تقنية.
أشار ألتمان إلى أن التاريخ يعيد نفسه؛ فمنذ عقود والوعود التكنولوجية تنهال علينا بأن الآلات ستمنحنا وقتاً أطول للراحة، لكن الواقع يثبت العكس. وقال بصراحة: "بطريقة ما، لم نتمكن أبداً من جعل وعد العمل لأربع ساعات فقط في الأسبوع حقيقة واقعة على نطاق واسع، ولا أتوقع أن يغير الذكاء الاصطناعي ذلك".
لماذا يعتقد رئيس OpenAI أننا سنظل منشغلين دائماً؟
يرى ألتمان أن كل تقدم تكنولوجي يرفع من سقف إنتاجية الفرد، ولكن هذا الوقت الإضافي لا يظل فارغاً. بدلاً من ذلك، تظهر احتياجات ومشاريع وأهداف جديدة تملأ هذا الفراغ بشكل تلقائي. إن الرغبة البشرية في التطور ومقارنة الذات بالآخرين تجعلنا دائماً في حالة بحث عن "المزيد".
وأوضح خلال حديثه: "نحن نفكر دائماً في أشياء جديدة لنفعلها، وفي كيفية الإبداع للآخرين، وفي وضع أهداف جديدة لأنفسنا. إنها مسألة نسبية؛ فالناس يدركون تماماً وضعهم مقارنة بمن حولهم، وهذا التنافس يدفعهم للاستمرار في العمل وبذل الجهد".
تجارب عالمية مقابل فلسفة "الذكاء الخارق"
تأتي تصريحات ألتمان في وقت تخوض فيه دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان تجارب عملية ناجحة لنظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع. وقد أظهرت هذه الدراسات تحسناً ملحوظاً في الصحة النفسية للموظفين وتقليل مستويات الإجهاد، مع الحفاظ على مستويات الإنتاجية أو زيادتها في كثير من الأحيان.
ومع ذلك، يصر ألتمان على أنه حتى في مستقبل يهيمن عليه ذكاء اصطناعي متطور جداً، سيظل مستقبل العمل مرتبطاً بالانشغال الدائم. واختتم رؤيته بقوله: "أعتقد أننا سنكون جميعاً أكثر انشغالاً مما كنا نتصور في عالم يتمتع بذكاء خارق. ربما سنتذمر من ذلك، لكننا في أعماقنا سنشعر بالسعادة لأننا ننجز ونبدع".
هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي حقاً إلى بطالة جماعية أم زيادة في المهام؟
تشير رؤية ألتمان إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الحاجة إلى العمل، بل سيغير طبيعة المهام. فبدلاً من قضاء الوقت في الأعمال الروتينية، سيتجه البشر نحو مهام أكثر تعقيداً وإبداعاً، مما يعني أن حجم العمل الكلي قد لا ينقص، بل يزداد نوعياً.
ما الفرق بين زيادة الإنتاجية وتقليل ساعات العمل؟
زيادة الإنتاجية تعني إنجاز مهام أكثر في وقت أقل، ولكن فلسفة ألتمان تقترح أننا نستخدم الوقت الموفر لإنجاز مهام إضافية بدلاً من الراحة، وذلك بسبب الطموح البشري المستمر الذي لا يقنع بالنتائج الحالية.
لماذا يرفض ألتمان فكرة أسبوع العمل القصير؟
يرى ألتمان أن العمل جزء من الهوية البشرية ووسيلة لتحقيق الذات والشعور بالمكانة الاجتماعية. لذا، حتى مع توفر الأدوات التي تنجز العمل عنا، سيخترع البشر طرقاً جديدة للعمل والتميز والمنافسة.
🔎 في الختام، يبدو أن الحلم بالتحرر الكامل من العمل بفضل الذكاء الاصطناعي قد يظل مجرد سراب إذا ما نظرنا من منظور الطبيعة البشرية الطموحة. فبينما توفر لنا التكنولوجيا الأدوات اللازمة للراحة، يبدو أن رغبتنا الفطرية في التفوق والابتكار ستدفعنا دائماً نحو آفاق جديدة من الانشغال، مما يجعلنا في سباق دائم مع قدراتنا المتطورة، وهو ما يراه ألتمان طريقاً نحو السعادة والرضا رغم التعب المستمر.
قم بالتعليق على الموضوع