حققت منظمة "إيتر" (ITER) العالمية خطوة عملاقة نحو محاكاة قوة النجوم على الأرض، حيث أعلنت عن نجاح تركيب الوحدة السادسة من أصل تسع وحدات تشكل المكونات الأساسية لقلب مفاعل "التوكاماك". هذه العملية الهندسية المعقدة تضمنت إنزال وحدة ضخمة تزن حوالي 1100 طن في موقعها المخصص، واستغرقت 30 ساعة من العمل المتواصل والدقيق، لتكتمل بنجاح في 28 يوليو الماضي. وبانتهاء هذه المرحلة، يكون قد استقر ثلثا الهيكل الحلقي للمفاعل في مكانه، مما يمثل علامة فارقة في طريق تحقيق حلم **طاقة نظيفة** ومستدامة.
- ✅ استكمال تركيب ثلثي قلب مفاعل التوكاماك بعد إنزال الوحدة السادسة بنجاح.
- ✅ تعاون دولي يجمع القوى العظمى لتوفير مصدر طاقة آمن ولا نهائي عبر الاندماج النووي.
- ✅ دقة هندسية متناهية في دمج مكونات تزن آلاف الأطنان بتفاوت لا يتجاوز المليمتر الواحد.
- ✅ منافسة صينية متزايدة لتطوير مفاعلات قادرة على ربط طاقة الاندماج بالشبكات الكهربائية.
مشروع إيتر: تحالف عالمي من أجل مستقبل الطاقة
يُعد مشروع "إيتر" أضخم تعاون علمي دولي في التاريخ، ويهدف إلى إثبات إمكانية توليد الطاقة عبر الاندماج النووي تجارياً. يقع مقر هذا المشروع الطموح في منطقة "سان بول ليه دورانس" بجنوب فرنسا، وتحتضنه أوروبا التي تتكفل بنحو نصف تكاليف البناء. وتتشارك ستة أطراف عالمية كبرى في النصف الآخر من التكاليف والخبرات، وهي: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، اليابان، الهند، وكوريا الجنوبية. الهدف الأسمى هو خلق مصدر **الاندماج النووي** الذي يوفر طاقة لا تنضب وبأقل قدر من النفايات الإشعاعية مقارنة بالانشطار النووي التقليدي.
التحديات الهندسية والمكونات التقنية للوحدة السادسة
تجري عمليات التجميع داخل "حفرة التوكاماك" العميقة، حيث تتطلب العملية دقة فائقة تتحدى قوانين الفيزياء المعتادة. الوحدة السادسة التي استقرت مؤخراً تتألف من قطاع من وعاء التفريغ الفولاذي بوزن 440 طناً، مدعوماً بألواح درع حراري متطورة. كما تضم الوحدة ملفين للمجال الحلقي، وهما عبارة عن مغناطيسات كهربائية عملاقة يزن كل منهما 310 أطنان، وظيفتها الأساسية توليد مجال مغناطيسي قوي كفيل باحتواء البلازما شديدة الحرارة ومنعها من ملامسة جدران المفاعل، وهو ما يُعرف بتقنية **مفاعل التوكاماك**.
وعاء التفريغ: الغرفة الحلقية التي تحتضن "الشمس الاصطناعية"
صُمم وعاء التفريغ على شكل "دونات" ضخمة لتوفير بيئة معزولة تماماً، حيث ستصل درجات الحرارة في الداخل إلى مستويات تفوق حرارة مركز الشمس. عند اكتمال القطاعات التسعة، سيصل قطر الوعاء إلى 19 متراً وارتفاعه إلى 11 متراً، بوزن إجمالي يتجاوز 5200 طن. يتميز الوعاء بجدران مزدوجة يتدفق عبرها ماء التبريد للتحكم في الحرارة الهائلة، كما يوفر الدعم الهيكلي لأنظمة التسخين والتحكم في البلازما.
وقد مثّل تركيب هذا القطاع نهاية مساهمة كوريا الجنوبية في تصنيع أجزاء وعاء التفريغ، حيث قدمت أربعة قطاعات، بينما تتولى أوروبا تصنيع القطاعات الخمسة المتبقية. وقد أعرب المسؤولون الكوريون عن فخرهم بهذا الإنجاز الذي مكنهم من تطوير تقنيات تصنيع متقدمة ستفيدهم في مشاريعهم الوطنية المستقبلية.
المنافسة الدولية: الصين تسعى لتجاوز إيتر
رغم أن "إيتر" هو المفاعل الأكبر حالياً، إلا أن الصين تسابق الزمن في مشروعها الخاص المعروف باسم "مفاعل الاختبار الهندسي للاندماج الصيني" (CFETR). بينما يركز مشروع إيتر على الإثبات العلمي للاندماج، تهدف بكين إلى بناء مفاعل أكبر وأكثر قوة، يكون قادراً على توليد الكهرباء فعلياً وربطها بالشبكة القومية، ليكون جسراً مباشراً نحو بناء المفاعلات التجارية التي ستغير وجه الطاقة في العالم.
ما هي أهمية الوحدة السادسة التي تم تركيبها في مفاعل إيتر؟
تعتبر الوحدة السادسة حجر زاوية في بناء قلب المفاعل، حيث يكتمل بتركيبها ثلثا الهيكل الحلقي. وهي تضم مغناطيسات عملاقة وقطاعاً من وعاء التفريغ، مما يسمح بالانتقال إلى المراحل النهائية من تجميع "التوكاماك".
لماذا يشارك هذا العدد الكبير من الدول في مشروع واحد؟
بسبب التكلفة الباهظة والتعقيد التقني غير المسبوق، لا تستطيع دولة واحدة بمفردها بناء مثل هذا المفاعل. التعاون الدولي يضمن تقاسم التكاليف وتبادل الخبرات العلمية والتقنية بين القوى العظمى.
كيف يختلف الاندماج النووي عن الطاقة النووية الحالية؟
الاندماج النووي يعتمد على دمج ذرات خفيفة (مثل الهيدروجين) لإنتاج طاقة، وهو نفس التفاعل الذي يحدث في الشمس، بينما تعتمد المفاعلات الحالية على انشطار الذرات الثقيلة. الاندماج أكثر أماناً، ولا ينتج نفايات إشعاعية طويلة الأمد، ووقوده متوفر بكثرة.
متى يتوقع أن يبدأ المفاعل في العمل الفعلي؟
مشروع إيتر يسير وفق جدول زمني معقد، ويهدف حالياً إلى تحقيق "البلازما الأولى" في السنوات القادمة، متبوعاً بعمليات تشغيل كاملة لاختبار الجدوى العلمية قبل الانتقال للمرحلة التجارية.
🔎 في الختام، يمثل نجاح تركيب الوحدة السادسة في مفاعل "إيتر" انتصاراً للإرادة البشرية والتعاون العلمي العابر للحدود. إننا نقترب يوماً بعد يوم من امتلاك "شمس اصطناعية" على الأرض، توفر لنا طاقة نظيفة لا تنضب، وتنهي حقبة الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال القادمة.
قم بالتعليق على الموضوع