في عالم يتسارع فيه السباق نحو الهيمنة الرقمية، كشفت تقارير استقصائية حديثة عن ممارسات مثيرة للجدل تقوم بها شركة العملاقة أمازون. حيث تقوم الشركة بشراء كميات هائلة من الكتب المطبوعة، بما في ذلك نسخ نادرة وفريدة، ليس لإضافتها إلى مكتبتها العالمية، بل لإخضاعها لعملية رقمنة قاسية تنتهي بتدمير الكتاب ماديًا، وذلك بهدف استخلاص البيانات النقية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
- ✅ تحقيق يكشف تتبع شحنات كتب نادرة عبر AirTags إلى مستودعات سرية تابعة لأمازون.
- ✅ الموظفون يقومون بقطع ظهور الكتب المطبوعة لتسريع عملية المسح الضوئي وتغذية نماذج Nova.
- ✅ تفضيل الكتب القديمة (ما قبل 2022) لضمان جودة المحتوى وخلوه من النصوص المولدة آليًا.
- ✅ مخاوف ثقافية وبيئية من فقدان التراث المعرفي المطبوع وتحويله إلى بيانات خاصة ومغلقة.
رحلة البحث عن الحقيقة: كيف كشفت AirTags أسرار أمازون؟
بدأت القصة بتحقيق معمق أجرته منصة 404 Media، حيث قام الفريق بوضع أجهزة تعقب صغيرة من نوع AirTag داخل شحنات من الكتب النادرة التي تم بيعها عبر الإنترنت. تتبعت المنصة مسار هذه الكتب بدقة حتى استقرت في مستودع غامض يتبع لشركة أمازون في مدينة لاس فيجاس الأمريكية.
هذا المستودع، المعروف برمز VGT3، يحمل شعاراً غريباً يصور ديناصوراً "تيرانوصور ريكس" وهو يمسك بكتاب، وهو ما اعتبره البعض إشارة رمزية لابتلاع المعرفة الورقية. ووفقاً لشهادات العاملين في المنشأة، فإن العملية لا تقتصر على التصوير فحسب، بل تشمل "تمزيق" الكتب حرفياً عبر قطع أعمدتها الفقرية (الظهور) لتمكين الماسحات الضوئية عالية السرعة من معالجة الصفحات، مما يجعل إعادة تجميع الكتاب أمراً مستحيلاً.
لماذا تضحي أمازون بالنسخ المطبوعة من أجل نماذج Nova؟
تستخدم أمازون هذه البيانات الضخمة المستخرجة من الكتب المادية لتطوير وتحسين نماذج نماذج اللغة الخاصة بها، والمعروفة باسم Nova. وفي تصريح رسمي، أكد متحدث باسم الشركة أن أمازون تحصل على الكتب عبر قنوات تجارية مشروعة، معتبرًا أن هذه الممارسة تهدف في المقام الأول إلى تحسين جودة الخدمات والمنتجات التي تقدمها لعملائها حول العالم.
الدافع الحقيقي وراء هذا "النهم" للكتب القديمة يكمن في جودة المحتوى. فالكتب المطبوعة قبل عام 2022 تعتبر "منجم ذهب" لشركات التقنية، لأنها تحتوي على نصوص بشرية خالصة لم تتلوث بالمحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي حاليًا. كما أن العديد من هذه الكتب تحتوي على معلومات وتفاصيل تاريخية أو تقنية لا تتوفر في أي أرشيف رقمي متاح على الإنترنت.
ليست أمازون وحدها: صراع "الاستخدام العادل" والحقوق الرقمية
تشير التقارير إلى أن هذا النهج أصبح ممارسة شائعة في وادي السليكون. ففي دعوى قضائية سابقة ضد شركة أنثروبيك (Anthropic)، تم الكشف عن مشروع مشابه أطلق عليه اسم "Project Panama"، حيث كانت الشركة تشتري الكتب وتدمرها بعد الرقمنة. المثير للدهشة هو أن المحاكم مالت في بعض الحالات إلى اعتبار هذا التصرف ضمن "الاستخدام العادل"، طالما أن النسخ الأصلية يتم إتلافها ولا تُباع كنسخ رقمية مقرصنة.
ومع ذلك، يرى النقاد والمؤرخون أن هذه الممارسة تشكل تهديداً خطيراً للتراث البشري. فمن خلال تحويل الكتب النادرة إلى مجرد "بيانات" داخل نماذج مغلقة ومملوكة للشركات، يُحرم الجمهور والباحثون من الوصول إلى المصادر الأصلية، وتصبح المعرفة التي كانت يوماً ملكاً للجميع حبيسة خوارزميات تجارية تهدف للربح فقط.
لماذا تفضل شركات الذكاء الاصطناعي الكتب الورقية القديمة على المحتوى الرقمي؟
السبب الرئيسي هو البحث عن "البيانات النقية". الكتب القديمة، وتحديداً تلك التي صدرت قبل عام 2022، تضمن للشركات أن المحتوى مكتوب بالكامل بواسطة بشر، مما يحمي نماذج الذكاء الاصطناعي من "الانهيار النموذجي" الذي يحدث عندما تتعلم الآلة من بيانات أنتجتها آلة أخرى.
ماذا يحدث للكتب النادرة بعد وصولها إلى مستودعات أمازون؟
يتم قطع ظهور الكتب (Spine cutting) لإزالة الغلاف والروابط الورقية، ثم يتم تمرير الصفحات المنفردة عبر ماسحات ضوئية صناعية سريعة جداً. بعد الانتهاء من الرقمنة، يتم التخلص من بقايا الورق كنفايات، مما يعني ضياع النسخة المادية للأبد.
هل تدمير الكتب لغرض الرقمنة قانوني؟
قانونياً، استندت بعض الشركات إلى مبدأ "الاستخدام العادل". فبما أن الشركة اشترت الكتاب قانونياً وقامت بإتلاف النسخة المادية ولم تقم بإعادة بيع المحتوى ككتاب رقمي منافس، فإنها تجادل بأنها لا تنتهك حقوق النشر، بل تحول المادة إلى شكل جديد من البيانات التدريبية.
كيف يؤثر هذا الإجراء على الحفاظ على التراث الثقافي؟
هناك مخاوف جدية من أن يؤدي هذا "الاستهلاك المنهجي" للكتب النادرة إلى اختفاء نسخ مادية قد لا تتوفر لها بدائل في المكتبات العامة. وبدلاً من أن تكون هذه المعرفة متاحة للجميع، تصبح جزءاً من شيفرة برمجية تملكها شركة واحدة وتتحكم في الوصول إليها.
🔎 في الختام، يضعنا هذا التحقيق أمام تساؤل أخلاقي عميق حول ثمن التقدم التكنولوجي. فبينما تسعى أمازون وغيرها لتطوير ذكاء اصطناعي أكثر ذكاءً وقدرة، يبدو أن الضحية هي الذاكرة الورقية التي صمدت لقرون. إن تحويل الكتب النادرة إلى رماد رقمي قد يسرع من تطور الآلة، لكنه يطرح تحديات كبرى حول كيفية حماية تراثنا المعرفي من الاندثار في مخازن الشركات التقنية الكبرى.
قم بالتعليق على الموضوع