لقد ساهم التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي في تسهيل عملية إنشاء صور ومقاطع فيديو تبدو واقعية بشكل مذهل، إلا أن هذا التقدم فتح أبواباً خلفية لاستخدامات مسيئة وخطيرة، وعلى رأسها ما يعرف بـ "التزييف الجنسي العميق". تتيح هذه التقنية المرفوضة أخلاقياً وقانونياً التلاعب بصور أشخاص حقيقيين ووضعهم في سياقات حميمية أو فاضحة دون أدنى موافقة منهم. وعلى الرغم من القوانين الصارمة التي تفرضها متاجر التطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن كشف هذه الأدوات ليس سهلاً، حيث كشف تحقيق موسع أجرته مجلة Wired الشهيرة عن شبكة عنكبوتية تضم أكثر من 400 تطبيق وموقع إلكتروني تعمل في الخفاء لتوليد هذا المحتوى تحت ستار خدمات تبدو بريئة وغير ضارة.
أبرز نقاط التحقيق:
- ✅ كشف شبكة تضم 400+ تطبيق وموقع تخفي وظائف التزييف العميق.
- ✅ استخدام واجهات وهمية مثل "تعديل صور الحيوانات" لخداع رقابة المتاجر.
- ✅ تورط شركات ومطورين من الصين وهونغ كونغ في إدارة هذه العمليات.
- ✅ رصد إعلانات ممولة على فيسبوك وإنستغرام تروج لمحتوى إباحي مزيف.
- ✅ حذف عشرات التطبيقات من متجري "جوجل بلاي" و"آبل ستور" بعد كشف نشاطها.
الخداع الرقمي: كيف يتم استدراج المستخدمين؟
أظهرت البيانات المنشورة أن أحد التطبيقات التي تم رصدها، والمعروف باسم Viefur، كان يقدم نفسه كأداة لتحويل صور الحيوانات الأليفة إلى صور شخصية بملابس بشرية مقابل مبلغ زهيد (4 دولارات لـ 130 عملة رقمية داخل التطبيق). الصدمة كانت تكمن في استجابة الخادم، حيث كان يخيّر المستخدم بين عرض الواجهة "البريئة" أو الانتقال إلى واجهة سرية تحتوي على قوالب إباحية جاهزة للتعديل باستخدام تقنيات التزييف العميق.
من يدير هذه الشبكة الخفية؟
تشير التحقيقات التي أجرتها Wired إلى أن جذور هذه العمليات الخبيثة تعود إلى مطورين في الصين وشركة مسجلة في هونغ كونغ تحمل اسم KeLing Technology Limited. وتستند هذه الاستنتاجات إلى أدلة تقنية قوية، حيث تبين أن الخوادم مستضافة بالكامل في الصين، كما أن الكود البرمجي يحتوي على تعليقات باللغة الصينية، بالإضافة إلى وجود علامات مائية لبرامج تحرير صينية في المقاطع الدعائية. وحتى اللحظة، فضلت الشركة الصمت ولم تستجب لأي طلبات توضيح بشأن هذا التورط.
اختراق منصات "ميتا" وانتهاك القوانين
تمكنت المجلة من تتبع هذه التطبيقات عبر روابط مضمنة في آلاف الإعلانات التي تروج لمقاطع "تزييف عميق" على منصتي فيسبوك وإنستغرام. الأخطر من ذلك هو أن التحقيق كشف عن مئات المنشورات التي عرضت مواد إباحية للأطفال تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ووصلت هذه الإعلانات إلى عشرات الآلاف من المستخدمين، مما يمثل انتهاكاً صارخاً وفاضحاً لقواعد منصة Meta وسياسات الحماية العالمية.
نمو مخيف وتحديات أمام المتاجر الرسمية
كشف تحليل الشفرة المصدرية للمواقع عن حجم الشبكة الهائل، حيث تم العثور على قائمة كاملة بالتطبيقات والنطاقات المرتبطة بهذه العملية. بدأت هذه النشاطات في الظهور منذ نهاية عام 2015، لكنها بلغت ذروة غير مسبوقة في ربيع هذا العام بمعدل تسجيل 30 تطبيقاً ونطاقاً جديداً كل أسبوع. وفي شهر سبتمبر الماضي، كان متجر جوجل بلاي لا يزال يضم 27 تطبيقاً من هذه الشبكة، بإجمالي تنزيلات تجاوز 350 ألف مرة، ومن أبرزها تطبيق DiffAI الذي تجاوز وحده 100 ألف تنزيل قبل أن يتم حذفه نهائياً بعد تحذيرات من مستخدمين حول وجود قوالب لاستغلال الأطفال.
في المقابل، قامت شركة آبل باتخاذ إجراءات مماثلة، حيث حذفت 19 تطبيقاً من متجرها، بما في ذلك تطبيق Viefur، وذلك بعد تسلمها تقارير من باحثين أمنيين. ورغم هذه الجهود، تؤكد التقارير أن مطوري هذه الأدوات ما زالوا يجدون طرقاً جديدة لنشر تطبيقاتهم باستمرار، مما يجعل المعركة ضد التزييف العميق تحدياً تقنياً وأخلاقياً مستمراً.
كيف يمكن لهذه التطبيقات تجاوز رقابة متجر جوجل بلاي وآبل؟
تعتمد هذه التطبيقات على أسلوب "الواجهة المزدوجة"، حيث تقدم للمراجعين والمستخدمين العاديين وظائف بسيطة وغير ضارة مثل تعديل الصور أو إلباس الحيوانات، بينما يتم تفعيل الأدوات الإباحية عبر أوامر من الخادم الخارجي لا تظهر في الكود المبدئي للتطبيق.
ما هي المخاطر القانونية لاستخدام أدوات التزييف العميق؟
يعتبر إنشاء أو تداول محتوى التزييف العميق الجنسي جريمة قانونية في العديد من الدول، حيث تندرج تحت بنود التشهير، التحرش الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، وقد تصل العقوبات إلى السجن والغرامات المالية الكبيرة.
هل هناك علاقة بين هذه التطبيقات ومواد استغلال الأطفال؟
نعم، كشف التحقيق بشكل صادم أن بعض هذه التطبيقات مثل DiffAI كانت تحتوي على قوالب مخصصة لإنشاء مواد استغلال جنسي للأطفال (CSAM) باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعد من أخطر الجرائم الرقمية على الإطلاق.
كيف يمكن للمستخدمين حماية أنفسهم من هذه الشبكات؟
يجب الحذر من تحميل تطبيقات مجهولة المصدر حتى لو كانت على المتاجر الرسمية، ومراجعة تقييمات المستخدمين بدقة، وتجنب النقر على الإعلانات المشبوهة التي تروج لقدرات سحرية في تعديل الصور أو الفيديو.
🔎 في الختام، يبقى الوعي الرقمي هو الخط الدفاعي الأول في وجه هذه التقنيات التي تُستخدم لتدمير السمعة وانتهاك الحرمات. إن كشف هذه الشبكة الضخمة يضع الشركات التقنية الكبرى أمام مسؤولية تاريخية لتطوير أدوات كشف أكثر ذكاءً وقدرة على ملاحقة المطورين الذين يستغلون الذكاء الاصطناعي في أسوأ صوره البشرية.
قم بالتعليق على الموضوع