يُعد التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية تحديًا تقنيًا مستمرًا، ولكن طبيعة هذا التشويش وأهدافه تختلف بشكل جذري بين نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وشبكات الاتصالات المتقدمة مثل ستارلينك. في هذا المقال، نستعرض الفروقات الجوهرية في تصميم كل نظام، والتي تجعل مقاومة ستارلينك للتشويش الأرضي أعلى بكثير من سابقتها التقليدية.
- ✅ يعتمد التشويش على نظام GPS بشكل أساسي على إغراق المستقبلات الأرضية بضوضاء إلكترونية قوية على نفس الترددات الضيقة التي يستخدمها القمر الصناعي.
- ✅ يتميز نظام GPS بمداره المرتفع (حوالي 20,200 كم)، مما يجعل إشاراته ضعيفة للغاية عند الوصول إلى الأرض، مما يسهل التغلب عليها.
- ✅ تستخدم ستارلينك مدارات أرضية منخفضة (LEO) على ارتفاع 550 كم فقط، مما يعزز قوة إشارتها المستقبلة بآلاف المرات مقارنة بـ GPS.
- ✅ تعتمد ستارلينك على تقنية المصفوفة الطورية الموجهة (Phased Array) التي تركز الإشارة في شعاع ضيق، متجاهلة مصادر التشويش الجانبية.
لماذا يصعب التشويش على أقمار ستارلينك ويسهل على أقمار GPS؟
تتخذ أساليب التشويش الإلكتروني ضد الأقمار الصناعية أشكالاً متباينة، لكن تركيزنا هنا ينصب على التشويش الذي يستهدف المستقبلات الأرضية، وليس الأقمار الصناعية نفسها. تعتمد هذه العملية بشكل أساسي على رصد التردد الذي يبثه القمر نحو المستقبل الأرضي، ومن ثم إرسال ضجيج إلكتروني وإشارة ذات طاقة أعلى على نفس هذا التردد. النتيجة هي عجز الجهاز عن التمييز بين الإشارة الموثوقة وإشارة **التشويش**، مما يجعل البيانات المستلمة عشوائية أو غير صحيحة تمامًا. يُعتبر هذا النمط هو الأبسط، حيث لا يسعى المهاجم إلى انتحال هوية القمر أو تزوير البيانات بدقة، بل يكتفي بإغراق المستقبل بالضوضاء لقطع الاتصال ومنع الاستفادة من الخدمة.
نقاط ضعف نظام GPS أمام التشويش الأرضي
تكمن الثغرة الأمنية الأبرز في نظام تحديد المواقع العالمي GPS في الارتفاع الشاهق لأقماره، حيث تدور في مدار متوسط يرتفع قرابة 20,200 كيلومتر فوق سطح الأرض. هذا الارتفاع يعني أن إشارات الـ GPS تصل إلى الأرض وهي في حالة ضعف كبير. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن نظام GPS يعمل ضمن نطاق ترددي ضيق ومحدد بدقة في نطاق موجات L-band؛ وتحديداً التردد L1 عند 1575.42 ميجاهرتز للخدمات المدنية، والتردد L2 عند 1227.60 ميجاهرتز للخدمات العسكرية. نظرًا لأن **مستقبلات GPS** مصممة لاستقبال الإشارات من جميع الاتجاهات لضمان التقاط الإشارة من أي موقع في السماء، فإنها تصبح هدفًا سهلًا لأي جهاز تشويش أرضي يبث طاقة أعلى بقليل على تلك الترددات الضيقة، مما يؤدي إلى إيقاف الخدمة في منطقة واسعة بجهد وتكلفة منخفضين.
تفوق ستارلينك في التردد والمدار
على النقيض تماماً، تختلف مفاهيم القوة والمعايير عند مناقشة أقمار ستارلينك. القوة الأولى لشبكة ستارلينك تكمن في قربها الشديد من الأرض، إذ تحلق في مدارات أرضية منخفضة (LEO) على ارتفاع 550 كيلومتر فقط. هذا القرب يضمن وصول إشارتها بقوة تفوق إشارة الـ GPS بآلاف المرات إلى المستقبل الأرضي. علاوة على ذلك، لا تعتمد ستارلينك على تردد واحد ضيق، بل تعمل ضمن نطاقات ترددية واسعة جدًا؛ فهي تستخدم في رابط المستخدم نطاق Ku-band بترددات تتراوح بين 10.7 و 14.5 جيجاهرتز، بينما تستخدم المحطات الأرضية (Gateways) نطاق Ka-band بترددات قد تصل إلى 30 جيجاهرتز. يتم تقسيم هذا الطيف إلى مئات القنوات الفرعية، ويستخدم النظام تقنية القفز الترددي السريع، التي تمكنه من الانتقال الفوري والسريع بين تردد وآخر في حال تعرضه للتشويش. هذا يجبر أي جهاز تشويش على تغطية طيف واسع للغاية من الترددات، وهو ما يتطلب استهلاك طاقة هائلة لا تتوفر إلا في أنظمة الحرب الإلكترونية المتطورة. يمكنكم الاطلاع على المزيد حول أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية المنخفضة.
دور تقنية المصفوفة الطورية في الحماية
أما العنصر الأكثر حسمًا في حماية شبكة ستارلينك فهو تكنولوجيا المصفوفة الطورية (Phased Array) المستخدمة في أجهزة الاستقبال الخاصة بها. خلافًا لهوائي الـ GPS الذي يستقبل الإشارات من جميع الجهات، يعمل طبق ستارلينك كجهاز ذكي يوجه شعاعًا ضيقًا ومركّزًا بدقة نحو القمر الصناعي الذي يتصل به فقط، متجاهلاً بشكل فعال جميع الإشارات القادمة من الزوايا الجانبية أو من مستوى الأفق حيث تتمركز أجهزة التشويش غالبًا. وبما أن أقمار ستارلينك تتحرك بسرعة فائقة، يتغير توجيه الشعاع الصادر من الطبق باستمرار لملاحقة حركة القمر. هذا يتطلب من جهاز التشويش أن يضع نفسه تمامًا في الخط المستقيم الفاصل بين الطبق والقمر، وأن يغير موقعه بسرعة تضاهي سرعة حركة القمر في السماء، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً عمليًا بالنسبة للمشوشات الأرضية التقليدية.
يمثل هذا التفوق التقني لشبكة ستارلينك تحديًا كبيرًا أمام التشويش التقليدي، مما يجعل محاولات التعطيل مكلفة اقتصاديًا ومعقدة تقنيًا. فتعطيل النظام بالكامل يتطلب إغراق مساحات شاسعة بطاقة إلكترونية هائلة تفوق قدرات معظم أجهزة التشويش المتوفرة حاليًا. ومع ذلك، هذا لا يعني أن النظام محصن بشكل مطلق ضد أي شكل من أشكال التدخل؛ فقد أشارت تقارير تقنية حديثة إلى تحقيق نجاح ملحوظ في بعض محاولات التشويش، كما حدث في إيران حيث وصلت نسبة تعطيل الشبكة إلى 80%، وهو نجاح يُعزى غالبًا إلى استخدام تقنيات متقدمة للملاحقة الترددية، حيث يقوم المشوش برصد وتحليل دقيق للقنوات الفرعية والترددات المحددة التي يستخدمها جهاز الاستقبال في كل جزء من الثانية، ثم يوجه إشارته نحو تلك الترددات النشطة تحديدًا.
كيف يؤثر القرب المداري لستارلينك على مقاومتها للتشويش؟
يؤدي القرب المداري المنخفض لستارلينك (550 كم) إلى زيادة قوة إشارتها المستقبلة على الأرض بآلاف المرات مقارنة بإشارات GPS القادمة من مدار أعلى بكثير. هذه القوة الإضافية تجعل التشويش يحتاج إلى طاقة أكبر بكثير للتغلب على الإشارة الأصلية وتحقيق تأثير ملحوظ.
ما هي التقنية الأساسية التي تمنح أطباق ستارلينك ميزتها ضد التشويش؟
التقنية الأساسية هي "المصفوفة الطورية" (Phased Array). هذه التقنية تسمح للجهاز بتوجيه شعاع إرسال واستقبال ضيق ومركّز مباشرة نحو القمر الصناعي النشط، مما يقلل بشكل كبير من قدرة التشويش القادم من زوايا أخرى على إحداث تأثير.
هل يمكن أن ينجح التشويش إذا استهدف المشوش نطاقات ترددية واسعة؟
نعم، ولكن هذا يتطلب موارد هائلة. نظرًا لأن ستارلينك تستخدم تقنية القفز الترددي السريع عبر نطاقات واسعة (مثل Ku-band و Ka-band)، فإن محاولة التشويش الناجحة تتطلب تغطية شاملة لجميع هذه الترددات المتغيرة بسرعة، وهذا يتطلب أجهزة حرب إلكترونية متقدمة جدًا ومكلفة الطاقة.
ما الذي يفسر النجاح النسبي لمحاولات التشويش التي تمت الإشارة إليها مؤخراً؟
النجاح النسبي يعود إلى استخدام تقنيات تشويش متقدمة تركز على الملاحقة الترددية الدقيقة. بدلاً من استخدام ضوضاء عريضة، يتم تحليل الترددات الفرعية التي يستخدمها جهاز استقبال معين في لحظة معينة، ويتم توجيه طاقة التشويش بدقة فائقة نحو تلك الترددات النشطة فقط.
ما هو الفرق الرئيسي في الترددات المستخدمة بين GPS و ستارلينك؟
يعمل GPS في نطاق L-band الضيق (حوالي 1.2 إلى 1.6 جيجاهرتز)، بينما تعمل ستارلينك في نطاقات أوسع بكثير مثل Ku-band و Ka-band (تتراوح بين 10.7 إلى 30 جيجاهرتز)، مما يوفر مرونة أكبر في مقاومة التشويش.
🔎 في الختام، يمثل التباين بين تصميم نظام GPS القديم ونظام ستارلينك الحديث دراسة حالة واضحة في هندسة المقاومة الإلكترونية. بينما يعتمد نظام الملاحة العالمي على مبدأ البث الواسع مع ضعف الإشارة، يعتمد نظام ستارلينك على القرب الشديد، وتوزيع الطيف الواسع، والتركيز الشعاعي الموجه، مما يجعل معركة مواجهة التشويش معقدة ومكلفة للغاية للخصم، على الرغم من أن الابتكار في تقنيات الحرب الإلكترونية يعني أن لا نظام محصن تمامًا على المدى الطويل.

قم بالتعليق على الموضوع